الخطيب الشربيني
521
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بالعرف من أمر الله تعالى ونهيه والخير والوحي ، وهو قول أبي هريرة ومقاتل والكلبي ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هم الأنبياء عليهم السلام أرسلوا بلا إله إلا الله . وقال أبو صالح : هم الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات . وقيل : المراد السحاب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت إليه ومن أرسلت إليه . فَالْعاصِفاتِ أي : الرياح الشديدة عَصْفاً أي : عظيما بما لها من النتائج الصالحة ، وقيل : الملائكة شبهت لسرعة جريها في أمر الله تعالى بالرياح ، وقيل : الملائكة تعصف بروح الكافر يقال : عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه ، وناقة عصوف أي : تعصف بركابها فتمضي كأنها ريح في السرعة ، وعصفت الحرب بالقوم أي : ذهبت بهم . وقيل : يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف . وَالنَّاشِراتِ نَشْراً أي : الرياح اللينة تنشر المطر . وقال الحسن : هي الرياح التي يرسلها الله تعالى بين يدي رحمته ، وقيل : الأمطار لأنها تنشر النبات بمعنى تحييه . وروي عن السدي أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى . وروى الضحاك أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد . تنبيه : إنما قال الله تعالى وَالنَّاشِراتِ بالواو لأنه استئناف قسم آخر . فَالْفارِقاتِ فَرْقاً أي : الرياح تفرق السحاب وتبدده قاله مجاهد ، وعن ابن عباس هي الملائكة تفرّق الأقوات والأرزاق والآجال ، وقيل : هم الرسل فرّقوا بين ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه أي : بينوا ذلك ، وقيل : آيات القرآن تفرّق بين الحق والباطل والحلال والحرام . فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً أي : الملائكة تنزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : هو جبريل عليه السلام وحده سمي باسم الجمع تعظيما . فإن قيل : ما المناسبة على هذا بين الرياح والملائكة في القسم ؟ أجيب : بأنّ الملائكة روحانيون ، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح . وقيل : المراد به الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم ، وذكرا مفعول به ناصبه الملقيات . عُذْراً أَوْ نُذْراً مصدران من عذر إذا محا الإساءة ، ومن أنذر إذا خوّف على فعل كالكفر والشكر . ويجوز أن يكون جمع عذير بمعنى المعذور ، وجمع نذير بمعنى الإنذار ، وبمعنى العاذر والمنذر . ونصبهما إمّا على البدل من ذكرا على الوجهين الأوّلين أو على المفعول له ، وإمّا على الوجه الثالث ، فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين . وقرأ أَوْ نُذْراً نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة بضم الذال والباقون بسكونها . وقوله تعالى : إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ جواب القسم ، ومعناه أنّ الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة ، وقال الكلبي : المراد أنّ كل ما توعدون به من الخير والشرّ لواقع . ثم بين وقت وقوعه فقال تعالى : فَإِذَا النُّجُومُ أي : على كثرتها طُمِسَتْ أي : محي نورها أو ذهب نورها ومحقت ذواتها ، وهو موافق لقوله تعالى : انْتَثَرَتْ [ الانفطار : 20 ] و انْكَدَرَتْ [ التكوير : 2 ] قال الزمخشري : ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور . وَإِذَا السَّماءُ أي : على عظمها فُرِجَتْ أي : فتحت وشققت فكانت أبوابا ، والفرج الشق ونظيره إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق : 1 ] .